إبرهيم آغ الحبيب .. الغيتار والكلاشينكوف

“فى 63 قد ذهب، ولكنه سوف يعود

تلك الأيام قد ذهبت وتركت آثارها

قتلوا الأسطورة القديمة، والطفل لتوه قد وُلد

انقضوا على المراعي وقضوا على الماشية

فى عام 63 قد ذهب، ولكنه سوف يعود ..”

هكذا يتذكر إبراهيم أغ الحبيب في أغنية “ثلاث وستون Soixante Trois” وينتحب والده الذي تم إعدامه من قبل السلطات عام 1963 لمساعدته المجموعات المتمردة الداعية للإستقلال عن مالي وتأسيس دولة للـ “طوارق” عاصمتها مدينة “أزاواد” التي تقع فى الشمال.

وُلد إبراهيم قبل تاريخ إعدام والده فقط بثلاث سنوات فى صحراء مالي فى نفس العام التي حصلت فيه على استقلالها من الإستعمار الفرنسي فى 1960، فى الفترة التي تلت الاستقلال بدأت حركات الطوارق المتمردة الداعية لاستقلالها الخاص المستعدة للقتال من اجل حصول على حريتها، وإنطلاقًا من هذا التاريخ والي اليوم، يضع إبراهيم الدفاع عن قضية دولة مستقلة للطوارق.

في واحدة من تنقلات “إبراهيم” كحال الكثير من الطوارق الذين لم يجدوا أمامهم سبيل للهروب من الأزمات السياسية والإقتصادية الطاحنة، انتقل إلي مدينة “تامنراست” فى جنوب الجزائر، هناك التقي إبراهيم بـ “حسن أغ تهامي” أحد مؤسسي فرقة تتيناريوين، ولكن لقاءه الأهم كان مع الة “الغيتار” لأول مرة، أعُجب سريعًا بهذه الآلة و ابتاع غيتاره الأول وتعلم العزف عليه في بيت صديق فى “تامنراست”، كان هذا اللقاء الأول ونواة تأسيس فريق تتتيناريوين الذي سيحظي بانتشار عالمي فيما بعد.

انتقل إبراهيم كمتدرب إلي أحد معسكرات التدريب فى ليبيا عام 1981، حيث عرض “معمر القذافي” آنذاك التسليح والتدريب علي حركات الطوارق المتمردة والتي سيتحول فيما بعد جزء منها إلي قوات مقاتلة تحت إمرة القذافي، هناك التقي “عبدالله أغ الحسيني” بإبراهيم لأول مرة عام 86، والعديد من الأشخاص الذين سيصبحون من المؤسسين فيما بعد، ومع الوقت اخذت “تتتيناريوين” شكلًا أكثر استقرارًا وفاعلية، حيث عرفوا هناك بلقب “كيل تتتيناريوين” أي فتيان الصحراء، وقيل أنهم قدموا عرضًا حضره العقيد “معمر القذافي” بنفسه.

جدير بالذكر أنه حتي هذا الوقت لم تكن ثقافة الطوارق الموسيقية كانت قد احتكت بالغيتار، في العام 1990عاد فتية الطوارق المقاتلين من ليبيا وبينهم إبراهيم أغ الحبيب وأعضاء فرقة تتتيناريوين إلي مالي إثر أحداث قتالية معقدة، تتوصل السلطات المالية مع الحركات المتمردة إلي إتفاقية سلام ويتفرغ أعضاء الفريق للإنشغال بالموسيقي.

يظل تأثير الفريق ملحوظًا فقط داخل حدود “مالي” حتي أواخر التسعينيات وخاصة للمتحدثين بلغة “طماشق” وهي اللغة الخاصة بالطوارق والتي كُتبت بها جميع كلمات أغاني ، تجذب نغمات الغيتار الأفريقي انتباه فريق “لوجو” الفرنسي أثناء تواجده فى العاصمة المالية لحضور مهرجان موسيقي، فى العام التالي لذلك اللقاء 1999 يسافر عضوان من الفريق ليقدما عرضًا بالمشاركة مع فرقة “لوجو”.

منذ ذلك الحين بدأ الفريق فى جذب الانتباه العالمي، وأصبح يشارك فى أغلب مهرجانات الموسيقى العالمية، ورغم تسجيل الفريق لألبومين مختلفين الأول عام 1983 والثاني بعد العودة إلي مالي، إلا أن أول ألبوم يتم تسجيله لينتشر فيما بعد خارج حدود القارة الأفريقية تم إنتاجه عام 2001 بمساعدة المنتج جاستن آدامز، لتبدأ تتتيناريوين رحلة قد بدأها إبراهيم أغ حبيب من وسط ويلات الحرب الأهلية فى الصحراء لتتسلل إلى أوروبا.

أغنية من الألبوم الأول ليتناريون: 

يرفض “إبراهيم أغ الحبيب” وصف موسيقاه بروك الصحراء، أو البلوز الأفريقى كما يحب الغرب أن يطلق عليها، فبرغم تشابه المنتج الموسيقي لتتتيناريوين مع موسيقي البلوز والروك والكانتري إلا إنها تحمل صفاتها الخاصة بها، كما أنه لا يمكن اعتبارها موسيقي طوارق تقليدية أو تراثية، حيث لم تشهد موسيقى الطوارق تدخل الآلات الغربية كالباص والإليكتريك غيتار حتي بدأ هو هذا الطريق الذي تبعه الكثيرين مما تلوه فيه إلي جانب الكلمات المعاصرة.

يحب أن يطلق إبراهيم على موسيقاه “آسوف” والتي تعني فى لغة الطوارق الحنين أو النوستالجيا، وتعتبر الكلمات عنصرًا أساسيًا في أغاني تيناريوين، فتدور حول ظروف معاناة أهل الصحراء، أو تذكر لجلسات الشاي، وتارة أخري تصبح سياسية لتروي تاريخ نضال حركة التمرد والاستقلال، لتتحول فى بعض الأغاني إلي بكائيات لتذكر من فرقتهم الأيام.

حصدتتيناريوين كتتويج لمسيرة لم تنتهي بعد على جائزة الجرامي في فئة الموسيقى العالمية لعام 2011 عن ألبوم “تاسيلي Tassili ” الذي ضم بعض الأصوات والمشاركات الأمريكية، وهو الألبوم السادس من أصل سبع ألبومات رسمية للفريق حتي الآن.